Languages

أربعة وأربعون شهرا وأربعة وأربعون عاما/ 1- طماشتان

قبل 44 عاما، في مثل هذا اليوم الخريفي، استولى حافظ الأسد على السلطة في سورية بانقلاب عسكري. كان الرجل وزير الدفاع في حرب حزيران 1967 مع إسرائيل التي انتهت بهزيمة سورية وعربية كارثية. بعد ثلاثين عاما من الحكم ورّث حكم "الجمهورية" لابنه بشار، غير مسبوق عالميا إلا بكوريا الشمالية وأذربيجان. ومنذ 44 شهرا تفجرت ثورة ضد حكم الابن الذي واجهها بالحرب منذ البداية، وتطورت إلى حروب متعددة الأطراف والمستويات والأزمنة، يشارك فيها اليوم الأميركيون وحلفاء لهم، ضد "الدولة الإسلامية" التي تحتل مناطق من شمال شرق البلد وتنتشر في مناطق عراقية أيضا، هذا بينما يستمر النظام وحلفائه الإيرانيون واللبنانيون، والروس، في حربهم ضد المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام في مسار الثورة.

هذا التواقت بين اكتمال 44 شهرا و44 عاما فرصة للنظر في العالم الصغير السوري والعالم الكبير من حوله. ليس فقط أن سورية لا تنفصل عن محيطها، فهذا ينطبق على جميع الكيانات السياسية المعاصرة التي تسمى دولا، بل هي بقدر كبير "دولة خارجية"، تغلق الملعب الداخلي لتتفرغ للعب مع الكبار الدوليين في الملعب الإقليمي، وتجعل نفسها موثوقة منهم ولازمة جدا لهم.

على من يغلق الملعب الداخلي؟ على عموم السكان، على مجتمع العمل والإنتاج، على "السوريين السود" الذين حين اقتحموا الملعب قبل 44 شهرا دمرت بيوتهم وبيئات حياتهم، واقتلعوا إلى مهاجر غير كريمة، داخلية (7 ملايين) وخارجية (فوق 3 ملايين)، في المجموع نحو نصف السكان.

تنطلق سلسلة التدوينات الستة من أن الأربعة وأربعين القصيرة هي استمرار للأربعة وأربعين الطويلة وليست قطيعة معها، وتكثيف لها وليست افتراقا عنها. الأربعة وأربعين القصيرة تشرح الأربعة وأربعين الطويلة وتضيء خفاياها، بقدر ما إن الأربعة وأربعين الطويلة هي أرض سوابق وبدايات، لن نرى اكتمالها إلا في القصيرة. لسنا حيال دولة اضطرت للحرب، بل حيال حرب مكثفة في دولة.

ستتكون تدوينات السلسلة من حركة ذهاب وإياب ثلاثية: بين زمنين، طويل وقصير، وبين عالمين، سوري صغير وكوني كبير، وبين أعلى وأدنى اجتماعيين وعالميين.

ورغم أن سورية ليست معروفة جيدا، الواقع أنها مجهولة على ما أظهرت الشهور الأربعة وأربعين الماضية، لن تحاول هذه النصوص أن تكون تعريفية فحسب. ستحاول بالأحرى تجديد المقاربة وزاوية النظر من أجل التعريف. نحن مجهولون لأن مقاربات مهيمنة في الغرب والعالم لا ترانا، بل تنفي وجودنا. تغير المقاربات شرط لأن نرى، وأن نوجد.

"طمّاشتان"

حين كنت في سجن تدمر الرهيب عام 1996، كان المعتقلون السياسيون مكرهين على ارتداء طماشات على العيون أثناء النوم. كان الغرض أن نكون مرئيين تماما، وألا نرى. هذا ضمن استراتيجية للسلطة تعتمد على التعرية والكشف والمراقبة، وعلى خفائها وتعاليها هي. هناك استراتيجية أخرى، تعتمد الإغفال التعتيم والإزاحة إلى الهومش، حيث لا صوت يرى أو صورة تسمع. يقتضي الأمر طماشات طوعية، يضعها أصحاب السلطة كيلا يروا المبعدين.

وفي تصرف الاستراتيجية الأخيرة طماشتان، واحدة جيوسياسية والثانية ثقافوية، أبدأ بتناولهما.

طماشةجيوسياسية

ترى المقاربة الجيوسياسية أن هناك بلد اسمه سورية، يقع في الشرق الأوسط، جنوب تركيا وغرب العراق، ولكن خاصة شمال إسرائيل. وللبلد الذي اسم رئيسه بشار الأسد، وعاصمته اسمها دمشق، علاقاته جيدة مع إيران، ومتقلبة مع البلدان العربية والغرب، وعدائية مع إسرائيل. لكنه يتمتع بـ"الاستقرار السياسي" طوال أكثر من أربعين عاما، تحت حكم بشار، وقبله أبيه حافظ.

ووفقا لهذه المقاربة سورية بلد بلا داخل، يرد ذكره في سياق تتواتر فيه أسماء عواصم تبدأ من واشنطن، وتمتد عبر لندن وباريس وموسكو إلى القدس والرياض وطهران وأنقرة والقاهرة، وبغداد وبيروت. وأسماء رؤساء وملوك تبدأ من أوباما وتصل إلى أمين عام حزب الله اللبناني. والقصص التي كان يرد فيها اسم سورية هي واحدة من اثنتين أساسيتين: قصة الصراع مع إسرائيل التي تحتل مرتفعات الجولان السورية منذ نحو نصف قرن وتمنع عودة نحو 600 ألف لاجئ فسطيني إلى ديارهم، يقيمون في سورية منذ 1948 أو 1967؛ وقصة صراعات البترول وحروبه أو الحروب المتصلة به منذ عام 1973 إلى الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن العشرين إلى حرب الكويت 1991 إلى الاحتلال الأميركي للعراق 2003 إلى الحرب الأميركية الراهنة ضد "الدولة الإسلامية" في العراق وسورية.

إنها قصص حرب وعنف في كل حال. والنهاية السعيدة المأمولة لها دوما هي "الاستقرار": بقاء الأوضاع مثلما هي عليه، فلا قلاقل داخلية ولا حروبا، ولا تغيرا سياسيا. إنه في آن استقرار أطقم الحكم في السلطة وقدرتها على منع التغيير، واستقرار علاقاتها بالدول الكبرى، واشنطن بخاصة. هذه المقاربة متمركزة حول الأقوياء فوق.

وبينم يعزل النظام السوريين الصغار في الداخل، تبني هذه المقاربة التي تتبناها وسائل الإعلام الغربية والدولية عموما على هذا العزل وتطفيل السوريين ، ولا تهتم بأن تعرف شيئا وراء السور. بالعكس، يتواتر أن تكافئ النظام على عزل محكوميه بأن تتجاهلهم هي. "الخبراء" الغربيون عن سورية قلما يعرفون عنها شيئا ذا قيمة، لكنهم يستظهرون الكلام الفوقي عن العواصم والصراعات الكبيرة وأسماء الحكام. يعرفون أشياء قليلة، ويحسون بأشياء أقل.

ما الذي يغيب من هذا المنظور؟ كل شيء تقريبا: شروط الحياة، التعليم، الصحة، الثقافة، الفن، نظم الحكم، توزيع الثروة، قصص النساء والرجال وسيرهم ووجوههم وأسمائهم. قضايا العدالة والحرية والكرامة الإنسانية وحكم القانون خارج القصة أيضا.

طماشةثقافوية

هناك مقاربة ثانية ترى شيئا من داخل المجتمع السوري ومجتمعات "الشرق الأوسط": الدين. القصة التي تروى هنا هي تحيل إلى الإسلام ومذاهب الإسلام وطوائفه، وإلى المسيحيين في المنطقة، وإلى الإسلام السياسي والإسلام العسكري أو الجهادي، مع ميل إلى شرح كل شيء بالدين ذاته، أو بذهنية تتحدد بالدين، ورد الفاعلين السياسيين إلى المجموعات الدينية، أو اعتبار هذه المجموعات، "الطوائف"، فاعلين سياسيين تلقائيا. ومن حواشي هذه القصة افتراض أن الأمور هكذا في هذه المنطقة، وأن سكانها مختلفون عنا، "نحن" الغرب.

هذه المقاربة الثقافوية ازدهرت كثيرا مع نهاية الحرب الباردة، ونظرية صموئيل هنتنغتون عن "صراع الحضارات" تلخيص معلوم لها.

وللمقاربتين كليهما جذور في الاستشراق الكلاسيكي الذي ازدهر في زمن صعود السيطرة الغربية، ومال إلى رد مجتمعات "الشرق" إلى الدين وركز خصوصيتها في ذلك. تدهور الاستشراق منذ شرّحه إداورد سعيد، لكن مناهجه ظلت مهيمنة في إدراك المنطقة وتمثيلها.

كيفيجرياستقبالهاتينالمقاربتينفيسورية؟

يفضل النظام السوري يفضل المقاربة الجيوسياسية التي تعزل الداخل الاجتماعي، وتختزل سورية إلى نظامها الواجب الاستقرار، وتجعل عموم السكان غير مرئيين بما يسهل التخلص منهم إن تمردوا. المقاربة المتمركزة حول أقوياء الغرب تنقلب بسهولة لتكون متمركزة حول الأقوياء المحليين وفي خدمتهم: العالم في تآمر دائم علينا، ولذلك ينبغي تعزيز "وحدتنا الوطنية"، عدم السماح بتفرق صفوفنا كيلا يتسلل الأعداء إلى جبهتنا الداخلية. هذه النظرية لا تُبقي مجالا لحياة سياسية في الداخل، ولا لنقاش عام، ولا لأشكال انتظام اجتماعي مستقلة. وبالفعل، كان مستحيلا أن يتجمع عشرات السوريين في منزل خاص يتداولون في الشؤون العامة. المجتمع السوري عاش في فقر سياسي مدقع لأنه كان محروما طوال أكثر من أربعين عاما من حق الاجتماع وحق الكلام، وفرض على نحو جيلين من السوريين العيش في صمت متفرقين. الارتباط بين الفقر السياسي والفقر الاقتصادي ثابت، على ما تظهر أعمال الهندي أمارتيا سن.

أما المقاربة الثقافوية فهي المفضلة عند الإسلاميين. ينزعون بصورة ثابتة إلى تعريف المجتمعات بثقافاتها المختزلة إلى أديانها. الإسلام السياسي يرى الغرب مسيحيا، أما الجهاديون فيصفونه بأنه "يهودي صليبي". وسيعتبر كل نقد للشأن الإسلامي في الغرب تعبيرا عن إسلاموفوبيا، مع الرغبة في مد هذا الحكم ليشمل نقد الإسلام والإسلاميين في المجتمعات ذات الأكثرية الإسلامية أيضا. يُستفاد على هذا النحو من عمل إدوارد سعيد لتسويغ القمع الفكري وأحادية الصوت في مجتمعاتنا. لكن بينما نقد الإسلاموفوبيا في الغرب فعل احتجاجي وتحرري، فإنه هنا فعل قمعي وامتثالي.

هناك نسخة علمانية من المقاربة الثقافوية، مزدهرة بين فئات من المثقفين في سورية، تفسر أوضاعنا أيضا بالدين والذهنيات، مغفلة شؤون الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعلاقات الدولية. ويجمع بين دعاتها شيئان: إن علمانيتهم هتنتغتونية و"حضارية" وليست ماركسية أو تحررية، وإنهم بصورة نسقية وجدوا أنفسهم أقرب إلى نظم الحكم القائمة ضد تمردات السكان.

وليس النظام ضد هذه الرواية، خاصة في صيغتها التي ترى أن أكثرية السكان في بلدنا متعصبة وعدوانية، وأنه هو "حامي الأقليات"، وفق مفردات اللغة الثقافوية اليمينية في الغرب.

المرئيونواللامرئيون

المشترك بين المقاربتين المهيمنتين أنهما تحولان دون رؤية عموم السكان في حياتهم اليومية، وفي كيفية إنتاج حياتهم وبناء أدوارهم وهوياتهم، وفي جهودهم لامتلاك السياسة والدين ضد محتكريهما. النساء والرجال غير مرئيين.

أبطالنا المرئيون هم بشار الأسد وفق القصة الجيوسياسية، وأبو بكر البغدادي وفق القصة الثقافوية. وقد تتلهى وسائل الإعلام الغربية بين وقت وآخر بمخبر أو مخبرة أهلية من نموذج إيان هرسي علي الصومالية أو آزر نفيسي الإيرانية، يفترض أنها أو أنه بطل الليبرالية أو العلمانية أو الديمقراطية.

أن يكون الواحد منا مناهضا لنظام بشار، ولأبو بكر البغدادي، دون أن يكون مخبرا أهليا لا يحلم بغير العيش في الغرب، أمر ممتنع.

لكنه ليس ممتنعا بحال. نحن موجودون فعلا، ومرئيون لمن يريد أن يرى. نساء ورجال، لسنا قلة بحال، منخرطون في صراع متعدد الجبهات من أجل العدالة والحرية في بلداننا، وفي العالم. نعترض على الهيمنة على مستوى العالم دون ردود فعل هويتية، ونعترض على الاختزال الهويتي دون مفارقة مواقعنا في الصراع، هنا والآن، من أجل الحرية والعدل والكرامة.

بأمل أن نُسمع، ونرى، سنحكي هنا قصة مختلفة. وعلى طريقة جدتنا شهرزاد، وإن تكن حكايتنا أقل بهجة من حكاياتها، نعول على أن يحمي الحكي حياتنا.

(سوريون يرفعون احتجاجا أرغفة من الخبز في بانياس، تضامنا مع مواطنيهم المحاصرين في درعا، أيار 2011. صورة: Str/AP)

Syrian men hold up pieces of bread as they protest in Banias on 4 May 2011 in solidarity with compatriots in besieged Deraa. Photograph: Str/AP.
Posted 16 Nov 2014
comments powered by Disqus