Languages

أربعة وأربعون شهرا وأربعة وأربعون عاما/ 2 - حروب ضد العامة

تظاهر مئات الألوف في حماه في تموز 2011

في وقت مبكر من الثورة السورية التي جاءت في سياق ثورات "الربيع العربي"، قال الملياردير رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، إن "قرار الحكومة هو القتال"، ودون أن تكون له صفة رسمية، أضاف: "نحن نؤمن أنه لا استمرارية لنا دون وحدتنا، وكل واحد منا يعرف أننا لا نستطيع الاستمرار دون أن نبقى متحدين". ودون أن يوضح باسم أي "نحن" يتكلم، قال أيضا: "سنبقى هنا. نعتبر الأمر قتالا حتى النهاية". نشر كلام مخلوف في نيويورك تايمز في 10 أيار 2011، بعد أقل من شهرين من الاحتجاجات السلمية. لم يكن هذا إعلان عزم على الحرب فقط، وإنما هو يكشف "وحدة" السلطة والمال.

رامي مخلوف يسيطر على مفاصل الاقتصاد السوري عبر شركات يملكها أو يتحكم بها. شاع في السنوات السابقة للثورة تعبير "رمرمة" الاقتصاد السوري للدلالة على سيطرة رامي عليه. ولأن الشراكة معه إجبارية، شاعت نكتة تقول إن النشاط الاقتصادي في سورية إما مخالف أو مخلوف. "المخلوف" هو النظامي.

"النظام"، المركب السياسي الأمني المالي المسيطر، بدأ حربه باكرا. في فجر 22 آذار جرى فض اعتصام احتجاجي في مسجد أثري في مدينة درعا، وقتل العديد من السكان المحليين وخُرّب المسجد. لم يمر يوم واحد منذ ذلك اليوم دون قتل.

طوال شهور كان الاحتجاج العام سلميا، يحاول السكان في عشرات المواقع في البلد احتلال مواقع مركزية في الفضاءات العامة لأطول وقت ممكن، متوسلين أجسادهم وأصواتهم فقط. الهدف امتلاك السياسة، أي التجمع والكلام والاعتراض العلني على السلطات العامة، أن يكون الجمهور فاعلا سياسيا.

في 18 نيسان 2011 قتل قرب منتصف الليل 200 شخص على الأقل في حمص من بين المعتصمين العزل في ساحة الساعة في المدينة. وفي صيف 2011 احتلت الدبابات مدينتي حماه ودير الزور اللتين شهدتا مظاهرات بمئات الألوف في ساحاتهما.

اضطر الناس لرفع السلاح دفاعا عن النفس. لم يكن هناك وجه عادل للاعتراض على محاولة السكان امتلاك السياسة بالحرب حين تواجه محاولاتهم امتلاكها سلما بالحرب. وفي مواجهة مقاومةٍ تكسر احتكار النخبة للعنف وتدافع عن السكان، صعّدت النخبة المواجهة إلى الدبابات والطيران المروحي الذي يلقي براميل متفجرة فوق المدن والبلدات والطيران الحربي وصواريخ سكود البعيدة المدى، والسلاح الكيماوي.

"حرب أهلية"؟ لا بأس، على أن يوضح المتكلمون أنها ليست حرب السكان ضد بعضهم، بل هي "قتال حتى النهاية" من طرف النخبة ضد عموم السكان، ويجري فيها استخدام "الدولة" والموارد العامة والجيش العام ضد السكان المتمردين. هؤلاء الأخيرون يسكنون أحياء طرفية في المدن أو مدنا طرفية متداعية الأوضاع الاجتماعية والخدمات، أو بلدات مهمشة، ويعانون من ابتزاز عملاء الدولة من أمنيين وبيرقراطيين وحزبيين بعثيين لتسيير مصالحهم التي لا يجري تسييرها بصورة روتينية. المحسوبية هي نمط العلاقة الجامع بين عموم السكان و"الدولة"، ومعظم السكان الفقراء (37% تحت خط الفقر دولارين في اليوم عام 2007، وقدرات الحركة والحصول على المعلومات والتنظيم والاحتجاج أدنى بعد) لا محاسيب لهم، ما يضطرهم إلى دفع الرشاوي من القليل المتاح لهم أصلا. هذه العلاقة تفقر الفقراء، وتغني مالكي السلطة.

انخرط في الثورة أيضا مهمشون سياسيا، طلاب جامعيون وشبان وشابات يريدون فرص حياة وعمل، ومثقفون، ومعتقلون سياسيون سابقون.

الحرب ليست جديدة. قبل جيل، بين 1979 و1982 تفجرت موجة كبيرة من الصراع الاجتماعي والسياسي الحاد، انتهت بمذبحة كبيرة في حماه في شباط 1982، يحتمل أن ما بين 20 و30 ألفا سقطوا فيها. وقضى عشرات الألوف سنوات في السجون، كنت واحدا منهم لمدة 16 عاما، وأعدم ما قد يقارب 15 ألفا في سجن تدمر. وقتها أيضا قيل إنه صراع بين النظام وإسلاميين. غير صحيح. كان صراعا أوسع، شارك فيه طلاب جامعيون ونقابات مهنية وأحزاب سياسية، وشهد إضرابا واسعا في العديد من المدن، وطرحت فيه مطالب تحررية وديمقراطية. كان انخراط الإسلاميين في الصراع وجهه الأكثر درامية، لكن ليس الأهم، ولا يقول شيئا عن محركات الاحتجاج ودوافعه.

كان الغرض من فائض القمع تأديب عموم السوريين، وخلق ذاكرة خوف طويلة الأمد. بالفعل انقلبت سورية لنحو عشرين عاما بعد مذبحة حماه إلى "مملكة الصمت"، بتعبير رياض الترك، المناضل اليساري المخضرم، الذي قضى نحو 18 عاما في زنزنة منفردة أيام حافظ (1980-1998)، وحبس 15 شهرا أيام بشار (2001-2002)، ويعيش متواريا في دمشق منذ 44 شهرا.

المظاهرة من الزبداني في أي 2012

وفي واقع الأمر كانت 44 عاما من عمر دولة الأسد حربا باردة مستمرة، يخوضها جيش كبير، هو المركب الأمني المكون من أجهزة وتشكيلات عسكرية بالغة الوحشية، ضد عموم السكان. الدولة التي بناها حافظ الأسد في سورية عبر تطييف الوظيفة الأمنية وتوريث السلطة وتجريد السكان ملكية بلدهم (صارت تسمى "سورية الأسد") هي احتكار لـ"الفتنة" (استخدم بشار الأسد هذه المفردة السلطانية الإسلامية 16 مرة في أول خطاب ألقاه بعد الثورة في 30 آذار 2011)، أي الفوضى والحرب الطائفية. و"الدولة" التي تعتمد الطائفية أداة حكم تعمم "الفتنة" حين يناسبها لنقل الصراع إلى داحل المجتمع وإضعاف المحكومين. أسميها الدولة السلطانية المحدثة التي تقوم على التبعية الشخصية والتحام الملك بالحكم وعبادة الرئيس والطائفية وتوريث الحكم وسحق التعبيرات الاجتماعية والسياسية المستقلة.

طوال هذه السنين كان وجه السياسة الذي يعرفه السكان هو الوكالات الأمنية العديدة المرهوبة الجانب، والمؤسسة السياسية الفعلية هي السجن، أما وجه السياسة الخارجي فهو ما عرف طويلا باسم "الدور الإقليمي لسورية"، أي التعامل مع الفلسطينيين واللبنانيين، وبدرجة ما مع كرد العراق وتركيا، كأوراق نفوذ إقليمي لحكم النخبة، وللمزيد من تحصين الحكم السلطاني في الداخل السوري.

دولة الحرب لم تنحصر في سورية وحدها. تدخلت القوت السورية في لبنان منذ عام 1976، بضوء أخضر أميركي إسرائيلي، واستمر بقاؤها هناك حتى عام 2005، وشاركت في الحرب ضد جهات فلسطينية ولبنانية متغيرة، أولها ضد قوى تقدمية لبنانية متحالفة مع المقاومة الفلسطينية. وفي السجل أيضا اغتيالات كثيرة لصحفيين وسياسيين لبنانيين وأجانب (منهم ميشال سورا، مؤلف كتاب "الدولة البربرية" عن دولة الأسد). ومحصلة التدخل المديد استتباع الطبقة السياسية اللبنانية، وترسيخ الزعامات الطائفية في لبنان، وتحطيم أشكال المقاومة الوطنية للاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.

بعد نحو عامين من بداية حربها الأخيرة، تطورت حرب دولة السلطان ضد السكان إلى حرب إقليمية ودولية. ظهر كائن فاشي جديد، داعش، التي تولدت عن لقاء منظمة القاعدة المعولمة مع البعثية العراقية المهزومة، ثم عن لقائهما معا بيئات سنية سورية مُعنّفة ومن الأكثر تهميشا. الخميرة موجودة سلفا: كانت الدولة السلطانية تلعب بالجهاديين ومعهم بين العراق ولبنان منذ ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق 2003. ولم يدخل فاشيو ربطة العنق الأسديون في صراع عنيف مع فاشيي اللحية حتى أخذت بالظهور نذر حملة الأميركية على داعش. انشغال الطرفين الفاشييين بقتل عامة السوريين لم كون قضية تفرق بينهما. ولا تفرقهما اليوم عن الامبراطورية.

وخلال ثلاث سنوات من الحرب ضد العامة كانت إيران هنا، وتوابعها اللبنانية والعراقية؛ وكانت السعودية وقطر، وتركيا، تدعم وتفسد مجموعات سورية مقاتلة، خرجت من أوساط العامة المحتقرين. بدرجة تتناسب مع تبعيتها، انقلبت هذه المجموعات إلى مواجهة المجتمع ومحاولة السيطرة عليه، وتدهور المحتوى التحرري لعملها.

كانت روسيا هنا أيضا، تدعم نظام طغمة قاتلا، مثقِّلة وزنها على الصعيد الدولي، ومنتفعة من تفوق معاداة واشنطن لعموم السوريين على نفورها من السلطان المحدث بشار. تحت أمرة بوتين، لا يبدو أن لدى "سجن الشعوب" (ماركس، عن روسيا القرن 19) ما يقدمه غير السلاح، وتعطيل مؤسسات دولية ضعيفة يناسب الأميركيين أيضا إضعافها.

بهذا المعنى الحرب عالمية فعلا، وليست أهلية، وإن لم يجر تشريفها بعد بهذا الاسم. لدينا ثلاث حروب وثلاثة محاربين في سورية اليوم: (1) حرب دولة "السلطان المحدث" وعالمه الأول الداخلي، عالم مخلوف، وتحالفه الإيراني ضد الرعايا الخارجين على سيطرته، وهي حرب مجهولة اليوم لا يريد أحد قول شيئا عنها؛ (2) حرب دولة "الخلافة المحدثة" ضد المجتمعات المحلية، هذه الدولة الأكثر عولمة في العالم هي مزيج من الاستعمار الاستيطاني والتطهير العرقي والحكم الفاشي؛ و(3) حرب "امبراطورية" العالم الأول وحلفاءها ضد الخلافة، وليس ظاهرا ما هي القضية العادلة لهذه الحرب، وبأية رؤية سياسية تتوجه، بل وما هي الاستراتيجية العسكرية للحرب. لكن ما يفتقر إلى العدل ليس فقيرا إلى المنطق: نخبة العالم الأول تجد في نخبة العالم الأول الداخلي أو فاشيي ربطة العنق، حليفا في الحرب ضد فاشي اللحية الذين لا ينضبطون بأية قواعد. للبنيات منطقها.

ثورة العامة سحقت على يد دولة السلطان، قبل أن تشاركه سلطة الخليفة، والقوة الامبراطورية تكمل ثالوث الأقوياء.

تقول اللافتة من كفرنبل: قلب إرهاب الأسد قيم العالم رأسا على عقب، ووحده تفاعل الشعوب يمكن أن يعيد الأمور إلى نصابها

Posted 01 Dec 2014
comments powered by Disqus